السيد كمال الحيدري
75
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
ذلك أنّ الزرع لكي يخرج من الأرض لابدّ من تحقّق عدد من المقدّمات التي تُهيّأ لإفاضة الإنبات والنموّ . وفى مثال البناء وغيره يلحظ أنّ البنّاء ليس من العلل الحقيقيّة الموجدة للبناء ، إنّما هو من العلل المعدّة لحدوث الاجتماع بين أجزاء البناء . فحركة يد البنّاء علّة لحركة الأجزاء من موضع إلى آخر ، ثمّ إنّ اجتماع الأجزاء واستقرارها في مواضعها يكون علّة لحدوث شكل البناء ، ثمّ تكون الخصائص المادّية في هذه الأحجار من قابلية التماسك والالتصاق واليبس ونحوها هي العلّة المبقية للبناء إلى مدّة معيّنة « 1 » . ثَمّ تقسيم آخر للعلّة يصنّفها إلى علّة محدثة وعلّة مبقية . والمعتزلة خلطوا بين الاثنين ، فلو تنزّلنا وقلنا إنّ البنّاء هو العلّة الموجدة للبناء ، فهو علّة محدثة لا مبقية ، إنّما يبس العناصر المؤلّفة للبناء هي علّة بقائه « 2 » . من جانب آخر ثَمَّ وهم كبير يضرب الوصف الاعتزالى بقياس علاقة الواجب سبحانه بالعالم على علاقة البناء بالبنّاء ، أو ثَمَّ مغالطة على أقلّ تقدير نشأت من عدم التفريق بين ما بالذات وما بالعرض ، وأخذ ما ليس بعلّة علّة . ففعل الله سبحانه أجلّ من أن يكون مجرّد التأليف والتركيب ، بل فعله الصنع والإبداع وإنشاء الوجود والكون . وليس الإبداع والإنشاء تركيباً ولا تأليفاً ، بل تأسيس وإخراج من العدم إلى الوجود « 3 » . يمكن تقريب المعنى المقصود بين الحالتين بوجه ، من خلال المقارنة بين كلام المتكلِّم وكتابة الكاتب ، فإنّ الأوّل يشبه الإيجاد والثاني يشبه التركيب ، لهذا يبطل الكلام إذا ما سكت المتكلِّم ، أمّا إذا أمسك الكاتب فلا يبطل المكتوب ،
--> ( 1 ) ينظر في ذلك : التحصيل ، بهمنيار ، ص 526 . ( 2 ) ينظر في ذلك : حاشية السبزواري على الحكمة المتعالية ، ج 1 ، ص 220 ، رقم 1 . ( 3 ) للمزيد من التفصيل والإيضاح ، ينظر : الحكمة المتعالية ، مصدر سابق ، ج 1 ص 220 .